محمد بن جرير الطبري

129

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حقا وصدقا لا باطل فيه ولا كذب . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ يقول : بسورة مثل هذا القرآن . وحدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ مثل القرآن . وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ قال : مثله ، مثل القرآن . فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما ، أن الله جل ذكره قال لمن حاجه في نبيه صلى الله عليه وسلم من الكفار : فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب ، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم . وقد قال قوم آخرون : إن معنى قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ من مثل محمد من البشر ، لأَنه محمدا بشر مثلكم . قال أبو جعفر : والتأويل الأَول الذي قاله مجاهد وقتادة هو التأويل الصحيح ؛ لأَن الله جل ثناؤه قال في سورة أخرى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ومعلوم أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه ، فيجوز أن يقال : فأتوا بسورة مثل محمد . فإن قال قائل : إنك ذكرت أن الله عني بقوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ من مثل هذا القرآن ، فهل للقرآن من مثل فيقال : ائتوا بسورة من مثله ؟ قيل : إنه لم يعن به : ائتوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باين بها سائر الكلام غيره ، وإنما عنى : ائتوا بسورة من مثله في البيان ؛ لأَن القرآن أنزله الله بلسان عربي ، فكلام العرب لا شك له مثل في معنى العربية ؛ فأما في المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين ، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبيه . وإنما احتج الله جل ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به له عليهم من القرآن ، إذ ظهر القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان ، إذ كان القرآن بيانا مثل بيانهم ، وكلاما نزل بلسانهم ، فقال لهم جل ثناؤه : وإن كنتم في ريب من أن ما أنزلت على عبدي من القرآن من عندي ، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله في العربية ، إذ كنتم عربا ، وهو بيان نظير بيانكم ، وكلام شبيه كلامكم . فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن ، فيقدروا أن يقولوا : كلفتنا ما لو أحسناه أتينا به ، وإنا لا نقدر على الإِتيان به ، لأَنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإِتيان به ، فليس لك علينا حجة بهذا ؛ لأَنا وإن عجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأَنا لسنا بأهله ، ففي الناس خلق كثير من غير أهل لساننا يقدر على أن يأتي بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإِتيان به ولكنه جل ثناؤه قال لهم : ائتوا بسورة مثله ، لأَن مثله من الأَلسن ألسنتكم ، وأنتم إن كان محمد اختلقه وافتراه ، إذا اجتمعتم وتظاهرتم على الإِتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم أقدر على اختلاقه ووضعه وتأليفه من محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن لم تكونوا أقدر عليه منه فلن تعجزوا وأنتم جميع عما قدر عليه محمد من ذلك وهو وحده ، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أن محمدا افتراه واختلقه وأنه من عند غيري . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فقال ابن عباس بما : حدثنا به